أنتو حطب حور، ونحنا للحطب منشار (بقلم عمر سعيد)

#حكي_تنور
“أنتو حطب حور، ونحنا للحطب منشار”

كان الإعداد لخبزة واحدة يستغرق أياماً.
يوم لخبزها، ويوم لتجفيفها، ويوم لطي الأرغفة وتخزينها.
لذلك كان أسبوع الخبز أسبوعاً صعباً على الأسرة كلها، وعلى الأمهات تحديداً.

كنا نحن الصغار نضطر لأكل الخبز المعفن مرغمين، قبل أن يسمح لنا بتناول رغيف من الخبز الطازج.

الأمر الذي جعلني أعد خطة لسرق عدة أرغفة، وتخبأتها خارج البيت، إذ كنت أضعها في كيس، أعلقه في أعلى أغصان التينة التي كانت تتوسط حاكورة بيتنا القديم.

كانت مكافأة المؤدب منا عروس السكر (رغيف يرش بماء وسكر)

كنت أستمتع بأحاديث أصدقاء الوالد الذين كانوا يجلسون في أماسي الشتاء، يتندرون بقصص عن الأيام الخوالي، فلا يذرون شخصاً يسلم من لسانهم.
يبالغون في ما يسردون، فنضحك، ونحفظ عن ظهر قلب ما يروون.

في أحد الأماسي، وفد إلينا رجل يسأل عن أبي،
فقلت: إن سألني أبي عنك، ماذا أقول له؟!
فذكر لي اسمه، وبعفوية شهقت، وقلت له ضاحكاً: أنت بو جحشة؟!

امتعض الرجل، واسودّ وجهه، ثم رحل غاضباً.
وعندما أتى أبي قلت له ما حصل، فغضب مني، وصرخ في وجهي، ثم صفعني كفاً؛ أنامني تلك الليلة وأنا أشهق كلما أفقت.
كبرت، وما نسيت ذلك الكف، ولا الرجل الذي تسبب لي به، ولا لقبه.

كبرت وعرفت كل الذين لم يسلموا من لسان أصدقاء أبي بألقابهم القبيحة.

وقد ماتوا جميعهم دون أن تموت ألقابهم.
لم تمت الألقاب، لأن مجتمعي كان يثبتها في سجلات الإرث الشفوي،
كنا، ولا زلنا مجتمعاً؛ يستمتع بإذلال بعضه البعض في الخفاء والعلن.

مجتمع ينقل للصغار أقبح أخبار الكبار وصفاتهم، ومواقفهم.
ثم ينتفض، ليؤدب الصغار إذا ما قلدوا الكبار.

ترى أين المتعة في التندر بعيوب الآخرين، وتعريف الصغار على الآخر من خلال قصص أجدادهم أو طفولاتهم السيئة؟
فنحن لم نتعرف إلى شخص إلا من خلال تاريخه السيء الذي يقدمه أهلنا على أي شيء.

كيف تحتمل هكذا مجتمعات تعرية الآخرين بهذه البشاعة؟
لم يتركوا جَدّاً؛ إلا وعرفونا على أبشع مواقفه، وقصصه وإن حصلت منذ قرن.
ولا أباً إلا وأخبرونا عن أخطاء طفولته.
ينتظرون الطفل وإن في المهد ليخطىء، حتى يلقبوه لقباً، يبلغه أحفاده بعد قرون.

كانوا يفعلون ذلك بأكثر من صيغة.
مرة يفعلونها بصيغة السخرية، وأخرى بصيغة التحريض على كراهيته، وغيرها بصيغة التسلية.
حتى صارت تحضر في أذهاننا عيوبنا جميعاً قبل أي شيء آخر.

فأنا ابن أبي مخطة، وذاك ابن أبي جحشة، والآخر ابن أبي كلبة، ورابع ابن النمس، وخامس ابن الصل، وسادس ابن الجربان، وسابع ابن أبي خرا، وثمان ابن الخوثة، وتاسع ابن أم فسي، وعاشر ابن الشخاخة.
وتستمر التسميات لتطال الأموات والآحياء، ومن سيليهم من خلف صالح وطالح.

تلك المجتمعات التي لا تعرف الصفح أو النسيان، أو المسامحة, كيف استمرت إلى هذه الأيام بكل هذا الدخان، والكراهية، والأمراض والعقد؟! لا أعرف.
مساكين من قضوا، لم يمت أحد منهم بريئًا ولا نظيفاً ولا نقياً في عين أحد.
ماتوا جميعهم ملطخين، ماتوا أفواجاً تلطخ سمعة أفواج.
وكأن هذه المجتمعات لا تستقر إلا إذا تمكنت من تحقير نفسها بشكل جماعي.
وكأن الجميع في نهاية المطاف قش تبن وحطب؛ وعلى التنور الالتهام وعدم ترك أحد إلا دخاناً، ورماداً.
وإن أخطر ما ارتكبته تلك المجتمعات أنها تركت للتنانير تربية الناشئة والتأسيس لكل الممارسات التي تعيبنا جميعاً، إذ ليس فينا بريء منها.
والكل على قاعدة :
” انتو حطب حور، ونحنا للحطب منشار”.
عمر سعيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العيش المشترك (بقلم عمر سعيد)

أظن أن كافة المحافظات اللبنانية يسكنها لبنانيون من كافة الطوائف والأديان، وأن كل المدن اللبنانية ...