أذواق أبنائنا أخطر ما نقدمه للحياة.. (بقلم عمر سعيد)

حقيقة لولا تباين الأذواق لبارت السلع.
ولكن دعوننا نطرح عدة تساؤلات حول تباين الأذواق:
فما الذي يؤدي إلى تباين الأذواق؟!
هل تشكل الطبيعة الجسدية وحدا من مسببات هذا التباين؟!
وماذا عن التربية الأسرية، والمدرسية، والمجتمعية، والوطنية؟!
وكيف نستطيع أن نبرىء الظروف المادية، والوعي الفكري والنفسي؟!
وهل يتنصل الفرد عن فقر الذوق لديه وتدنيه؟!

عندما أصغي إلى عبير نعمة، أشعر بتوفر أبعاد موسيقية جديدة في صوت تلك المبدعة، تتفوق على النوتة المرسومة لصوتها، وتتجاوز قدرة الوتر والآلة في الأوركسترا التي تحتضن ذلك المجال الصوتي المذهل.
لعل عبير نعمة لا تغني، بل تعزف بصوتها، أو لعلها تغني النغمات على شكل حروف منطوقة، بل لعلها الصلة الوحيدة الجلية بين عناصر العمل الغنائي الثلاثة: الكاتب، والملحن، والمتلقي.

لا يمكن لمن لم يتدرب على الاصغاء لهذا المستوى من الأداء، أن يسبر تلك الأبعاد التي يفتحها صوت عبير نعمة في عوالم المتذوق، فتعدد الآلات العازفة داخل حنحرتها، وتنوعها، وحساسيتها، تقدم جوا هرمونيا يتجاوز الإرسال والتلقي والتحليل.
ليبلغ العمل بكافة عناصره مرحلة ليست تتوفر في صوت سوى صوت عبير.
وانت تصغي إلى صوتها، يتكشف لك بعض من روح نجاة الصغيرة، وشيئ من عفاف راضي، ومن ماجدة الرومي، وفيروز، ويمكنك أن تعد وتعد من تلك الاصوات الخالدة.
لتجد أن حنجرتها مكتبة موسيقية حوت الكثير من خصائص تلك الأصوات النقية الندية في صندوق صوتي واحد.

عبير نعمة في آدائها نحلة تعتسل الأريج، وبلبل يرقص بتغريداته الياسمين الجبلي، وسلسبة مياه تنحدر من نبع عال لم ترده إلى اليوم عطاشى الجمال.

عندما أصغي إلى مقاطع صوت وبالصدفة لوديع الشيخ، أعود إلى تساؤلاتي:
ترى أي ظروف ولدت متذوقي هذا الصوت العكش بكلماته، وطبقاته، وآدائه.
وكيف يمكن للبنان أن يقدم هذين المستويين.

قد يقول قائل: إنها الطبيعة تقدم الشوك والياسمين.
وسأقول: نعم. ولكن وحدها الدابة لا تفرق عند الجوع بين الياسمين والشوك.

ولكن ماذا عن الإنسان؟! ذاك الذي يمتلك من أدوات التمييز والتفسير والتحليل والفهم وو؟!
إن من حق أبنائنا أن يتمتعوا بالاستقلالية والحرية.
لكن ليس في تذوق الجمال والابداع.
إذ ينبغي أن تستبعد كل الحريات السخيفة هناك.
فليس من الحرية أن تسحب أظفارك على لوح زجاجي أو حديدي، وتدعي بعد ذلك الزعيق الذي يمزف المشاعر متعة التذوق.
وليس من الحرية أن نستبدل تغريد الطيور، وحفيف الأشجار، بأصوات الحجارة المنحدرة، وشتائم الشارع، وندافع عن حرية التذوق!
فكما للمعابد من كنائس وجوامع ودور عبادة حرمتها المقدسة، كذلك ينبعي أن تكون الروح البشرية مصانة قدسيتها بقوانين تحميها من التلوث والرطوبة والتعفن في اللون، والصوت، والتصميم، الحرف، والوتر وكافة أدوات الجمال.
#عمر_سعيد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من حرة البترون إلى حرة عمورية. (بقلم عمر سعيد)

قيل لنا يا أخية: “أن خد الأنوثة إن صفع، تهتزت لأجله عروش رجال في أرجاء ...